ابن حزم
429
الاحكام
رواية كل من ذكرنا ، ولم يخالفهم همام في شئ إلا أنه قال : * ( ما تركتكم ) * . قال أبو محمد : ، وهذا خبر منقول نقل التواتر عن أبي هريرة فلم يوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أحد إلا ما استطاع مما أمر به ، واجتناب ما نهى عنه فقط ، ولا يجوز البتة في اللغة العربية أن يقال : أمرتكم بما فعلته ، وأسقط عليه السلام ما عدا ذلك ، وأمرهم بتركه ما تركهم . وقد علمنا بضرورة الحس والمشاهدة أنه عليه السلام ، وكل حي في الأرض لا يخلو طرفة عين من فعل ، إما جلوس أو مشي ، أو وقوف أو اضطجاع ، أو نوم أو اتكاء ، أو غير ذلك من الافعال ، فأسقط عليه السلام عنا كل هذا ، وأمرنا بتركه فيه ، حاشا ما أمر به أو نهى عنه فقط ، فوضح يقينا أن الافعال كلها منه عليه السلام لا تلزم أحدا وإنما فيها الائتساء المتقدمة فقط . قال أبو محمد : وصح بالحديث الذي قبل هذا ، أنه لا حجة في فعل أحد من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ، ولا في قوله ، لان أولئك الذين كرهوا ما فعله عليه السلام ، قصدوا بذلك الخير في اجتهادهم ، وقد أنكر عليه السلام ذلك فصح أنه لا حجة إلا فيما جاء عنه عليه السلام فقط ، والحمد لله رب العالمين . قال أبو محمد : وإنما حضنا الله تعالى في أفعاله عليه السلام على الائتساء به بقوله تعالى : * ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) * وما كان لنا فهو إباحة فقط ، لان لفظ الايجاب إنما هو علينا لا لنا ، نقول : عليك أن تصلي الخمس ، وتصوم رمضان ، ولك أن تصوم عاشوراء ، وتتصدق تطوعا ، ولا يجوز أن يقول أحد في اللغة العربية : عليك أن تصوم عاشوراء وتتصدق تطوعا ، ولك أن تصلي الخمس ، وتصوم رمضان ، هذا الذي لا يفهم سواه في اللغة التي بها خاطبنا الله تعالى بما ألزمنا من شرائعه . قال أبو محمد : وقال بعضهم : قوله تعالى بعقب الآية المذكورة : * ( لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ) * بيان أن ذلك إيجاب لان هذا وعيد . قال أبو محمد : التأويل خطأ لان الائتساء المندوب إليه في الآية المذكورة إنما هو للمؤمنين الذين يرجون الله واليوم الآخر ، ولم يقل تعالى هو على الذين يرجون الله واليوم الآخر وأما الكفار الذين لا يرجون الله واليوم الآخر ،